الانتخابات والقوائم المشتركة.. هل تطوي صفحة الانقسام الفلسطيني؟

الانتخابات والقوائم المشتركة.. هل تطوي صفحة الانقسام الفلسطيني؟
تقارير وحوارات

غزة/ معتز شاهين:
في ظل تعقيدات المشهد الفلسطيني، يعود ملف الانتخابات التشريعية إلى الواجهة من جديد، وسط حديث عن توافقات وطنية وقوائم مشتركة، وتساؤلات حول قدرتها على الإسهام في إنهاء الانقسام، في ظل الواقع الميداني والقيود الإسرائيلية، ولا سيما في قطاع غزة والقدس المحتلة. ويرى مراقبون أن فرص التوافق الوطني لا تزال قائمة، لكنهم شددوا على أن القوائم المشتركة تمثل مدخلاً إلى التوافق، وليست حلاً نهائياً للانقسام، ما لم ترتبط بتفاهم سياسي أوسع وشراكة حقيقية في مؤسسات النظام السياسي.

وأوضحوا، في أحاديث منفصلة مع صحيفة «الاستقلال»، أمس الأحد، أن إجراء الانتخابات يواجه عقبات معقدة، مرجحين بقاء خيار التأجيل مطروحاً بقوة، في ظل احتمال تعذر إجرائها في القدس المحتلة واستمرار الظروف الميدانية في قطاع غزة.
وفي موازاة ذلك، تتواصل المشاورات بين القوى والفصائل الفلسطينية بشأن تشكيل تحالفات وقوائم انتخابية مشتركة لخوض الاستحقاق، في مساعٍ إلى توسيع قاعدة المشاركة وتجنب حالة الاستقطاب التي رافقت الاستحقاقات الانتخابية السابقة.
وكان الرئيس محمود عباس قد أصدر مرسوماً رئاسياً بشأن إجراء الانتخابات التشريعية وحدد موعدها في الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ما دفع القوى السياسية إلى تكثيف مشاوراتها استعداداً للاستحقاق، بما في ذلك بحث تشكيل قوائم وتحالفات مشتركة. وفي هذا السياق، تتجه بعض القوى إلى بناء أطر انتخابية أوسع من القوائم الحزبية التقليدية، تضم فصائل وشخصيات سياسية ومستقلة، في محاولة لتعزيز فرص التوافق وتشكيل مشهد انتخابي أكثر تمثيلاً.
ويتزامن ذلك مع حديث متزايد عن احتمال إعادة ترتيب الجدول الزمني للانتخابات، وسط دعوات إلى إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بشكل متزامن، الأمر الذي يضيف مزيداً من التعقيد إلى المشاورات السياسية والتحالفات الانتخابية القائمة.
وفي السياق، أكد حسين الشيخ، نائب الرئيس الفلسطيني، أن الانتخابات الفلسطينية ستُجرى في موعدها المقرر في نوفمبر المقبل، مشدداً على أنه لا انتخابات من دون قطاع غزة، وأن إجراءها في القطاع يتطلب توافقاً وطنياً.
وأضاف أن حركة فتح ستخوض الانتخابات باسمها، مشيراً إلى أن القيادة الفلسطينية حريصة على مواصلة الحوار الداخلي ومنفتحة على الحوار مع مختلف الأطراف، كاشفاً عن توجه مرتقب إلى مصر في هذا الإطار.
توافقات لا تنهي الانقسام
وأكد الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة، أن الدعوات التي برزت مؤخراً للمطالبة بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بشكل متزامن، استناداً إلى القانون الأساسي الفلسطيني، تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز مجرد المطالبة بتطبيق النصوص القانونية.
وأشار أبو رحمة، في حديثه لـ»الاستقلال»، إلى أن توقيت ظهور هذه المطالبات يطرح علامات استفهام؛ إذ جاءت عقب تسريبات حول استعدادات وتحالفات لخوض الانتخابات التشريعية، من دون أن تترافق في بدايتها، مع مطالبات بإجراء الانتخابات الرئاسية بالتزامن معها.
وقال إن هذا التحول يعكس توجهاً قد يستهدف تهيئة الرأي العام والقوى السياسية لإعادة جدولة الاستحقاق الانتخابي كاملاً، مرجحاً أن تكون هذه الدعوات خطوة لاستباق إعلان رسمي يتضمن تأجيل الاقتراع التشريعي لعدة أشهر، لإجرائه بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية.
ويرى أبو رحمة أن فرص تحقيق التوافق الوطني لا تزال قائمة، لكنها تظل محفوفة بالصعوبات، نظراً إلى ارتباط الخلافات الراهنة بتراكمات سياسية وتنظيمية وجغرافية عميقة.
ويعتقد أن كلفة استمرار الانقسام قد تدفع الأطراف إلى البحث عن صيغ للشراكة، متطرقاً إلى القوائم الانتخابية المشتركة ومدى قدرتها على إنهاء الانقسام. ويرى أن التحالف الانتخابي المؤقت يقتصر على احتواء المرحلة وتخفيف الاستقطاب، بينما تتطلب الشراكة الحقيقية تفاهمات سياسية واسعة حول إدارة المرحلة المقبلة واحترام نتائج الاقتراع.
وحول العوائق الميدانية والاعتداءات الإسرائيلية المتوقعة، شدد أبو رحمة على ضرورة بناء مظلة سياسية وقانونية ودولية لمواجهة أي عراقيل من جانب الاحتلال الإسرائيلي بشكل مبكر، لا سيما في مدينة القدس، التي تحمل أبعاداً ترتبط بالسيادة والتمثيل السياسي.
وقال إن نجاح العملية الانتخابية في قطاع غزة يشكل اختباراً لاستعادة المسار الديمقراطي، معتبراً أن الترتيبات الدولية والأمنية قد تلعب دوراً مهماً في حماية حرية الحركة والوصول إلى المراكز الانتخابية.
وأضاف أبو رحمة أن بلورة رؤية وطنية موحدة تُعد الركيزة الأساسية لضمان عدم تحويل الشروط والممارسات الميدانية إلى أداة لتعطيل المسار الانتخابي، لافتاً إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد حراكاً مكثفاً بين مختلف المكونات الفلسطينية لتحديد شكل الصيغة التوافقية ومواعيد الاقتراع النهائية، بما يضمن صون الحقوق السياسية والتمثيلية لجميع المواطنين في القدس وغزة والضفة الغربية.
التأجيل يبقى مطروحاً
وترى الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن إجراء الانتخابات يواجه عقبات معقدة، رغم الضغوط الحثيثة والحرص على مواصلة العملية الديمقراطية وتجديد الشرعيات القيادية أمام المجتمع الدولي والجهات المانحة.
وأشارت عودة، خلال حديثها مع «الاستقلال»، إلى أن سيناريو تأجيل الانتخابات لا يزال الخيار الأقرب والمطروح بقوة، لا سيما في حال رفض الاحتلال الإسرائيلي السماح بإجرائها في مدينة القدس، أو استمرار الواقع الميداني والاعتداءات الإسرائيلية في قطاع غزة بما يحول دون مشاركة أهالي القطاع.
وأوضحت أن هذه التعقيدات أدت سابقاً إلى إرجاء الاستحقاق الانتخابي، تأكيداً على ضرورة شمول العملية الانتخابية جميع المحافظات.
ولفتت إلى أن الخارطة الانتخابية والاحتمالات الداخلية قد تلعب دوراً رئيساً في تحديد مصير الاستحقاق، موضحة أن تشكّل تحالفات وطنية موسعة قد يغيّر موازين القوى الانتخابية ويقلل حظوظ بعض الأطراف، ما قد يدفع إلى تأجيل العملية الانتخابية لعدة أشهر بهدف إعادة ترتيب الأوراق وتهيئة البيت الداخلي.
وحول مدى قدرة الحراك والتوافقات الجارية على طي صفحة الانقسام، شددت عودة على أن المشهد الحالي لا يتعدى كونه «إدارة واحتواء للمرحلة»، بهدف الخروج من مأزق الحرب والظروف الراهنة، من دون الوصول إلى إنهاء حقيقي للانقسام.
ورجّحت المحللة السياسية أن المؤشرات الحالية، وفي مقدمتها التباين في الأجندات السياسية وإلغاء بعض الاجتماعات التوافقية، ومنها اجتماع القاهرة بين حركتي فتح وحماس، تؤكد استمرار المنافسة الحزبية وغياب الحلول الجذرية لملف قطاع غزة. وشددت على أن المرحلة الراهنة تتطلب توافقات تتجاوز حدود الاحتواء المؤقت، إلا أن الواقع الميداني يفرض مسارات محددة، تجعل إجراء الانتخابات مرهوناً بالظروف السياسية والأمنية المعقدة على الأرض.

التعليقات : 0

إضافة تعليق